كثيرون يرجعون من العمرة والحج وقلوبهم غير مطمئنة. تدور في أذهانهم أسئلة: هل ارتكبت ذنباً؟ هل ما حدث مني يبطل العبادة؟ هل هذا هو "اللمم" الذي جاء في القرآن؟
هذه الحيرة والوسة قد تسرق أجر العبادة وتكدّر فرحة الطاعة.
والحل يبدأ بفهم فرق واحد مهم: الفرق بين "اللمم" وبين "ما لا يمكن التحرز منه".
في هذا الموضوع نوضح بالدليل من القرآن والسنة متى يكون الإنسان مذنباً يحتاج توبة، ومتى يكون معذوراً ومأجوراً.
أولاً: ما هو اللمم؟
اللمم هو صغار الذنوب التي يفعلها العبد باختياره ثم يندم ويتوب.
قال الله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: 32]
قال ابن عباس: اللمم أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعود إليه.
أمثلة: نظرة ثم صرفتها، كلمة غيبة ثم استغفرت، فكرة معصية ثم تركتها لله.
الحكم: ذنب صغير يُمحى بالاستغفار والتوبة والعمل الصالح.
ثانياً: ما هو "ما لا يمكن التحرز منه"؟
هو الفعل الذي يقع من الإنسان رغماً عنه، ولا يستطيع دفعه، وتدعو إليه الضرورة والزحام.
والأصل الشرعي: لا يكلف الله نفساً إلا وسعها [البقرة: 286]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه
أمثلة في الحرم:
1. التلامس والتلاصق في الطواف والسعي بسبب الزحام الشديد.
2. لمس أحد بدون قصد بسبب التدافع.
3. النظر الذي يقع فجأة ثم يصرفه الإنسان مباشرة.
4. انكشاف جزء من العورة لثواني بسبب الزحمة ثم ستره.
هل هذا ذنب أو لمم؟
الجواب: لا. هذا ليس ذنباً أصلاً.
قال الشيخ ابن عثيمين: "من كان في الحرم ووقع منه شيء من ذلك بسبب الزحام فلا إثم عليه ولا كفارة، وهو معذور"
فالعبادة صحيحة ولا شيء عليك.
ثالثاً: 3 علامات تفرق بها وتنهي الحيرة
1. الاختيار: اللمم يكون باختيارك. أما ما لا يمكن التحرز منه فهو مفروض عليك.
2. القدرة: اللمم تقدر تتركه. أما الزحام فلا حيلة لك فيه.
3. الحكم: اللمم يحتاج توبة. أما الضرورة فأنت معذور ومأجور على صبرك.
رابعاً: كيف تتخلص من وسوسة ما بعد العمرة؟
1. أحسن الظن بالله: رحمته واسعة وعلمه بحالك.
2. لا تجلد ذاتك: الشيطان يريد أن يحزنك بعد الطاعة.
3. ركز على القبول: اجتهدت وذهبت لتعبد الله، والله لا يضيع أجر المحسنين.
الخلاصة
إن كان ما حدث غصباً عنك في الحرم فامسح الحيرة من قلبك. أنت لست مذنباً.
وإن كان لمماً وزلة فباب التوبة مفتوح.
`إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ` [النجم: 32]
اذهب لعبادتك القادمة وقلبك مطمئن.