الفرق الخطير بين الغيب المطلق والغيب النسبي: ما هو الفرق بين الغيب الذى نعرفه و الذى لا نعرفه و أمثله على 5 أشياء لا يعلمها إلا الله

يبحث كثير من الناس اليوم عن معنى الغيب، وعن الفرق بين ما لا يعلمه إلا الله وبين ما قد يطلع عليه بعض الناس. ويكثر السؤال: هل هناك غيب يمكن للإنسان أن يعرفه؟ وما حدود ذلك في ديننا؟ لفهم هذه المسألة لا بد أن نميز بين نوعين من الغيب جاء ذكرهما في القرآن والسنة.


ما هو الغيب في اللغة والشرع

الغيب في اللغة هو كل ما غاب عن الإنسان ولم يدركه بحواسه. وفي الشرع هو ما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول. وقد جاء في القرآن الكريم:

"عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا" [الجن: 26-27]

أي أن الله لا يطلع أحدا على غيبه إلا الرسل الذين يختارهم، ومع ذلك يجعل لهم حفظا من الملائكة حتى يصل الوحي سليما.


أولا: الغيب المطلق

هو الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وحده، ولا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته لا نبي ولا ملك ولا ولي. وهو من خصائص الربوبية. ومن أمثلة الغيب المطلق ما ذكره الله في آخر سورة لقمان:

"إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [لقمان: 34]

خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله: قيام الساعة، ونزول المطر، وما في الأرحام، وما تكسبه النفس غدا، وأين تموت النفس. 


تنبيه مهم عن "يعلم ما في الأرحام": المقصود العلم الكامل الشامل. الله يعلم هل الجنين ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما رزقه، ما أجله، كيف تكون خاتمته. أما ما تظهره الأجهزة الطبية فهو جزء بسيط جدا في وقت معين، ولا يصل لعلم الله الكامل. لذلك يبقى هذا من الغيب المطلق.

فمن ادعى علم هذه الأشياء الخمسة فقد ادعى مشاركة الله في علمه، وهذا لا يجوز.


ثانيا: الغيب النسبي

هو الغيب بالنسبة لشخص دون شخص آخر. أي أنه غائب عني ولكن معلوم لغيري. وهذا النوع قد يطلع الله عليه من يشاء من عباده لحكمة. 

مثال ذلك: ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أمور ستقع في المستقبل فهو غيب بالنسبة لنا، لكنه معلوم له بوحي من الله. 

ومن ذلك أيضا "أشراط الساعة" وهي علامات يوم القيامة. منها الصغرى ككثرة الفتن، ومنها الكبرى كخروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام. إخبار النبي بها هو من الغيب النسبي الذي أطلعه الله عليه.

ومثال آخر: الطبيب قد يعرف جنس الجنين بالأجهزة، فهو غيب بالنسبة للأم لكنه ليس غيبا مطلقا لأنه يمكن الوصول إليه بالأسباب.

وكذلك الرؤيا الصادقة، فهي نوع من الإطلاع على شيء من الغيب النسبي، يراها المؤمن أو ترى له، وهي بشرى أو تحذير.


ضوابط مهمة حول التعامل مع الغيب

1. لا يجوز سؤال الكهنة والعرافين عن الغيب لأنهم يدعون علم ما لا يعلمه إلا الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد.

2. التصديق الكامل بأن مفاتح الغيب الخمسة عند الله وحده.

3. الرضا بقضاء الله وعدم الانشغال بالبحث عن المستقبل، فالله لم يطلعنا عليه رحمة بنا حتى لا ننشغل عن عمل اليوم.

4. الفرق بين الأسباب والغيب. الأخذ بالأسباب كالطب والرصد لا يتعارض مع الإيمان بالغيب، لأن هذه أسباب ظاهرة أذن الله بها.


كيف نستفيد من هذا في حياتنا

عندما نوقن أن الغيب المطلق بيد الله نرتاح من القلق على المستقبل. ونفهم أن ما يحدث لنا هو بعلم الله وحكمته. وعندما نعرف الغيب النسبي نفهم أن إخبار النبي بأشراط الساعة هو من رحمة الله لنا حتى نستعد. كما أن الإيمان بالغيب هو من أول صفات المتقين:

"الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ" [البقرة: 3]


الخاتمة

الغيب باب عظيم من أبواب الإيمان. والفرق بين الغيب المطلق والغيب النسبي يحفظ على المسلم عقيدته ويمنعه من الوقوع في التعلق بالخرافات. فما استأثر الله به فنسلمه له، وما أطلعنا عليه من طريق الوحي نؤمن به ونعمل بمقتضاه. نسأل الله أن يرزقنا إيمانا صادقا وتسليما لأمره.